مقالات \ لقاءات

سليمان منصور, رائد الفن الفلسطيني

Sliman Mansour and Nabil Anani 1976 exhibition in London

Nour Team بواسطة
03/06/2021

هلا عرفتنا بنفسك من فضلك ؟

ولدت في” بير زيت” ، على بعد 10 كيلومترات شمال “رام الله”. كانت “بير زيت” قرية جميلة زُينت بأشجار الزيتون و الكثير من الطبيعة ، والعديد من الينابيع ، وبرك السباحة. الطبيعة هي كل شئ هناك. قضيت طفولتي في هذا الجو الذي أثر على طريقة رؤيتي للأشياء. كل الجبال، كل الأشجار، الطبيعة الخلابة التي رأيتها أصبحت جزءًا من فني

توفي والدي عندما كان عمري 4 سنوات. كنا ستة أطفال: ثلاثة أولاد وثلاث فتيات.ألحقتنا والدتي بمدرسةٍ داخليةٍ في “بيت لحم” تسمى “المدرسة اللوثرية”. مدير هذه المدرسة كان ألمانيًا وفنانًا أيضًا. كان لدينا الكثير من وقت الفراغ بعد الدروس في المدرسة. أراد المدير ملئ وقتنا بالأنشطة لذلك أنشأ العديد من النوادي مثل نادي القراءة والرسم والموسيقى والحرف اليدوية. 

كان من الإلزام التسجيل في ناديين لذا اخترت الموسيقى والرسم لكن لم أنجح البتة في فصل الموسيقى ( ضحكات خافتة )، لذلك قررت التركيز على الرسم. كان عمري تقريبا اثنى عشر عامًا في ذلك الوقت. 

هل ألهمك هذا الفصل والمعلم لبدء الرسم؟

لا ، كنت أرسم حتى قبل ذلك  الوقت. أتذكر الذهاب إلى المنزل ورسم الأشياء على قطع صغيرة من الورق و لكن في ذلك الوقت لم أعرف حقًا ما كنت أفعله أو أي الألوان يجدر بي أن أستخدم. هذا المعلم وهبني كل ما أحتاجه وعلمني كيف وماذا أفعل.

كنا من سبع إلى ثمان طلاب في هذا النادي وجعلنا نعمل معًا على لوحة واحدة. عملنا على لوحات كبيرة لعدة ساعات. وبالتالي هذه التجربة علمتني التعاون مع الناس بشكل عام ومع فنانين آخرين على وجه الخصوص، كما هو الحال في الفريق.  

ثقافة العمل الجماعي  كفريق هذه شيء مفقود في الشرق الأوسط لذلك تعلمت كيفية التعاون عن طريق هذا المعلم بالاضافة الى أمور أخرى. وقد ساعدني هذا لاحقًا في العمل مع فنانين آخرين لإنشاء “رابطة الفنانين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة “ وتنظيم أنشطتها. لقد قدم إلينا العديد من الكتب الفنية عن الفن الألماني بشكل رئيسي والفن الحديث بشكل عام. كان لدي حرية وصول إلى المعرفة التي لن أتمكن من اكتسابها في فلسطين في ذلك الوقت.

هل سبق لك أن تعاونت مع هؤلاء الطلاب في نادي الرسم في مرحلة أخرى من حياتك؟

لا ، لم يتخذ أي منهم طريق الفن ، كنت الوحيد الذي أستمر بهذا الطريق. أحدهم أصبح أسقف والثانِ مساعدًا للزعيم “ياسر عرفات” والآخر صحفيًا. 

كيف تصف أسلوبك لشخص لا يعرف فنك؟

حسنًا ، أعتقد أنني من نوع الفنانين الواقعيين مع عناصر رمزية لكنني لا أفكر كثيرًا في الأسلوب أو المدرسة. أنا تخطر ببالي فكرة وأختار ما يتناسب مع هذه الفكرة. بعض الفنانين يلتزمون بأسلوب معين وفي رأيي يصبحون أسرى. على كل حال ، أنا حر.

للعودة إلى هذا المعلم ، كان يصطحبنا أحيانًا للسفر. كنا نذهب للتخييم في “أريحا” و”نابلس” وأماكن أخرى ، وننام في الخيام وفي الطبيعة والذي أثر كثيرًا في حبي للأرض و لوطني. وسّع هذا تصوري عن وطني أثري مداركي بأماكن كثيرة. قبل هذه الرحلات ، كنت أعتقد أن “فلسطين” هي “بير زيت” و “بيت لحم” فقط. 

يمكننا حقًا رؤية  المناظر الطبيعية وأشجار الزيتون والبرتقال في فنك بشكل دائم. لقد اتخذت مسارًا سياسيًا بفنك جنبًا إلى جنب مع رابطة الفنانين الفلسطينيين. قلت في مقابلة إن هذا ليس بسبب رغبتك بأن تكون فنانًا سياسيًا. هل يمكنك تفسير ذلك؟

لا أعتقد أن هدفي كان مساعدة الأمة. أنا فنان ، أحب الرسم ، أعيش في هذه الأجواء ، وأحاول أن أعكس حياتي من خلال فني. أدخل نقطة تفتيش وأحيانًا يتم استجوابي وأشياء من هذا القبيل عندما أذهب إلى “رام الله”.  بعد تلك التجربة، لا يسعني إلا التفكير في ذلك عندما أصل إلى الاستوديو الخاص بي  …وهذا يظهر في فني. إنه أمر طبيعي  ، لا يمكنك العيش هنا وتجاهل ما يحدث تماما وتقوم فقط برسم الزهور الجميلة والسيدات اللطيفة ..إلخ.  حتى في 1981 أغلق الحاكم العسكري “لرام الله” أحد معارضي. قام باستجوابي مع اثنين من أصدقائي وحاول إقناعنا بعدم رسم أي شيء من الحياة الواقعية التي كنا نعيشها. لقد سألني: “لماذا لا ترسم زهورًا جميلة؟ سأشتريه منك “. 

قرأت عن “مجموعة الرؤى الجديدة” التي كنت جزءًا منها. في مرحلة ما ، لقد ابتعدت عما تعتقد أنه سمات ورموز ووسائط كلاسيكية مفرطة الاستخدام. لقد بدأت بتجربة طرق جديدة لصناعة الفن. ماذا كانت هذه الجوانب بالنسبة لك؟

في البداية، انا اخترت أن أقوم بفنّي بالطين والوحل. كان من بين المطالب الرئيسية للانتفاضة الأولى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية لذلك بدأ بعض الفنانين في البحث عن مواد طبيعية لعمل فنهم ، فاخترت الطين والقش. اعتاد الناس في القرية على بناء الأشياء من هذه المادة  لذلك بدأت في استخدامها في عملي الفني. هذا غير من فني في جوانب عديدة. أولاً، لم يكن للطين ألوان كثيرة ، فقط درجات الأصفر أو الأبيض أو درجات البني الفاتح – لذا فأنت مقيد للغاية في الألوان، والذي عادة يكون أمر جوهري لممارستي. الشيء الآخر هو أنك لا تستطيع عمل أشياء صغيرة مفصلة مثل العين أو الشعر وما إلى ذلك.

لذلك تطور فنّي إلى تجريدي أو شبه تجريدي. 

واجهتي مشكلة وهي أنه عندما يجف الطين يتشقق ، كانت هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لي في البداية لذلك بدأت في ملء الشقوق وعملت بجد لجعلها تختفي لكن بعد ذلك بدأت أدركت جمال الشقوق ورمزيتها. كما تعلم ، لقد أصبحنا مقسمين إلى قطع صغيرة في حالتنا مع نقاط التفتيش والجغرافيا الفلسطينية. بالتالي بدأت العمل على هذه التشققات حتى أصبحت جوهر أعمالي الفنية … لا أحب أن أسميها لوحات.

اعتدنا الرسم على اللوحات القماشية ، إطار له زوايا ، لذا فإن العمل على الطين غير شكل الأشياء. لا مزيد من المربعات. بدأت في وضع الأشياء التي تم العثور عليها في الطين ، أشياء مثل قطع الفخار القديمة والعلب والمفاتيح.

حتى ذلك الحين ، كان الفن الفلسطيني تقليديًا جدًا ، مثل اللوحات القماشية والألوان التقليدية واللوحات الزيتية ومع ذلك فقد جربته من قبل  مثل الرسم الخاص بي باستخدام “تمبيرا البيض” على الخشب لكن لم تكن مثل هذه المرة حيث تغير كل شيء: المواد والشكل والأسلوب.

جميع أصدقائي من مجموعة الرؤية الجديدة تغيروا وجربوا وخلقوا شيئًا جديدًا. من خلال هذا المنطق ، أصبحت مجموعتنا حلقة الوصل بين “الفن الجديد” الذي بدأ بعد اتفاقية أوسلو و”الفن القديم” الذي اعتدنا فعله أنا والفنانين الآخرين.

أعتقد أننا ساعدنا في تغيير المشهد الفني في فلسطين. 

كيف يتفاعل الناس مع عملك حينما تقيم معارضك؟

لا أستطيع الشرح حقًا ، هذا طبيعي كما تعلم. هما يأتون وينظرون ويسألون أسئلة مثل السؤال الذي طرحته علي الآن حول الحفاظ على الوحل [خارج التسجيل]. بالإضافة إلى ذلك، الكثير من الأشخاص يسألون “هل هذا للبيع؟” ، مما يدل بوضوح على تقديرهم.

في المعرض الأول الذي قمنا به في عام 1975م ، تعلمنا الكثير من الحضور – العديد من الأشخاص الذين حضروا لم يشاهدو أبدًا معرضًا فنيًا ولا لوحة. لذلك سادت الأجواء السياسية والقومية على الفور عندما جاؤوا. مئات الأشخاص أصطفوا  لساعات عديدة و ناقشوا معنا نوع الفن الذي يجب أن ننفذه. لم نأخذهم حقًا على محمل الجد بصفتنا فنانين لكنه أثر علينا في إعادة التفكير فيما يجب أن نفعله وفي أدوارنا كفنانين. 

هل يمكنك أن تعطينا مثالا؟

طلب الناس رؤية القدس والاحتلال والأسرى والقتل والأطفال. لقد كانوا يتوسلون إلينا حقًا أن نضع هذا في فننا والذي أنا متأكد أنه أثر علينا بطريقة ما. ومع ذلك ، أتذكر نوع الجو في ذلك الوقت: مفعم بالحيوية والحماسة. 

ما هو شعورك حيال إعادة نظرالأشخاص لعملك وإعطاء سياق جديد له؟

أنا أحب ذلك. هذا يجعلهم يفكرون في ماهيته ولماذا نختار شيئًا ما. في بعض الأحيان يجعلهم يبحثون عما كان يحدث وما هي التجارب وراء هذا العمل الفني وهذا جيد. لقد قمنا بالعديد من المعارض في أوروبا والولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات. تجد أشخاصًا تدعمك و اّخرون يهاجموك فور إقامة معرض في فرنسا أو إيطاليا أو في أي مكان آخر. كانوا يرون إعلانًا في إحدى الصحف وفجأة سيكون لديك أعداء وأصدقاء حتى قبل افتتاح المعرض. سيضعك معظم الناس في إطار سياسي.

باختصار، أحب أن أعرض فنّي للشباب وفي كل مكان. لقد أنشأت مؤخرًا صفحة على إنستغرام حيث أجمع العديد من الأصدقاء الذين ليسوا دائمًا من العرب ولا يفهمون الفن لذلك ينخرطون في محادثة معي ويسألونني أسئلة , وهو الأمر الذي أحبه. 

ماذا قال الناس مؤخرًا عن فنك على وسائل التواصل الاجتماعي؟

حسنًا ، تلقيت بالأمس رسالة من فتاة مصرية (30 عامًا) قالت: “أحبك رغم أنني لا أعرفك” – هذا المفهوم غريب. 

ما هو عملك الفني المفضل؟

يُطرح علي هذا السؤال كثيرًا ومن الصعب جدًا الإجابة عليه. إنهم يتوقعون أن يكون جوابي هو الرجل الذي يحمل القدس (المعروفة باسم جمل الأعباء الثقيلة ، 1975) لأنها أصبحت مشهورة جدًا لكنها ليست كذلك. عندما أفكر في رسم شيء ما مثل الألوان المائية الصغيرة  والمناظر الطبيعية والقرى أو أي شيء آخر فإنها تأتي بشكل طبيعي لكن لا يمكنني القول إنني أحب واحدًا أكثر من الآخر. 

إذا كان بإمكانك التعاون مع فنان آخر ، فمن سيكون؟

(الرسم معا)

ربما “بانكسي” لأنني أشعر أنني قريب منه دون أن أعرفه. دائما مايخبرني صديق مشترك أن “بانكسي” يرسل تحياته.

هو يستخدم السمات ويملأها بالمعنى السياسي – أنا أحب ذلك. أفعل ذلك أحيانًا أيضًا حتى قبل أن أعرفه. 

ما رأيك بالمشهد الفني الحالي في فلسطين؟

الفلسطينيون يتأثرون بشدة بالفن المعاصر في جميع أنحاء العالم حيث تقوم المدارس والأكاديميون بتدريس الفن المعاصر.

اليوم ، يستخدمون أنواعًا مختلفة من الفن ، مثل التصوير الفوتوغرافي وفن تركيبات الفيديو وما إلى ذلك ، وهو أمر جيد لاستخدام جميع المواد والمعدات المتاحة لديك في الوقت الحاضر. البعض منهم جيد حقًا وحتى أنهم حصلوا على منح دراسية لمواصلة دراستهم في أوروبا والولايات المتحدة والعودة بأفكار رائعة.

على كل حال، لدينا مشكلتان أو خطران. الأول هو فنان لم يدرس الفن حقًا ولا يعرف ما يفعله ، أو ليس على دراية بكيفية استخدام هذه التقنيات والمعدات ولكنه لا يزال يريد الوصول إلى أفضل المعارض الفنية في أوروبا. الفنانون الشباب دائمًا طموحون ويريدون تحقيق النجاح بسرعة كبيرة. يعتقد الكثير منهم أنهم إذا ابتكروا الفن كما يفعلون في فرنسا وألمانيا فقد ينجحون بشكل أسرع. هذا الخطر حقيقي للغاية لأنك لست صادقًا مع نفسك من خلال تقليد فن آخر تم إنتاجه في ثقافة أخرى بنوع مختلف من التاريخ واللغة والدين والطعام. هذا غريب. هناك أشخاص يبدأون بهذه الطريقة ويفقدون الكثير من الوقت لكنهم في النهاية يعودون ويفعلون ما ينبغي عليهم فعله حقًا.

الخطر الآخر هو أنك كفنان لست قريبًا من الناس الذين لم يتعلموا الفن المعاصر. عندما يأتون إلى المعرض في معظم الأوقات فإنهم يخافون ولا يريدون المجيء مرة أخرى ولا يريدون أن يبدوا جاهلين لا يدركون ما الذي ينظرون إليه.

ما هي الأعمال المستقبلية التي يمكن أن نتوقعها منك؟

لا أعلم ، لدي أفكار كثيرة. أريد العمل عليها لكن المشكلة هي أنه بعد كل هذه السنوات تصبح بطريقة ما مُضجر مما تفعله. أذهب إلى الاستوديو الخاص بي أقضي معظم وقتي في صنع القهوة وأنظر إلى الخارج ولا أفعل أي شيء. (انه ليس مثل السابق عندما كانت لدي طاقة وكنت أفعل الأشياء لذلك آتمنى أن يساعدني الوقت في فعل كل ما أفكر فيه. إنه أيضًا نوع من التعب الجسدي وربما الملل. إنه العمر).

كيف تعاملت مع كوفيد؟ لأننا جميعًا نتعامل معه بطريقة مختلفة في مراحل مختلفة من حياتنا؟

إنه شيئاً جديداً وهو موجود منذ أكثر من عام. لا أعتقد أنه أثر على طريقة تفكير الناس ولا على عاداتهم. إنه خوف لا أكثر ولا تعرف ما هو. لقد أصبت بالفيروس ولم يؤثر علي ، لم أشعر به حتى. إنه أمر غريب لأنك لا تعرف ما يحدث. ثم ظهر اللقاح وكل هذه الأفكار التي خرجت من الناس الذين يعتقدون أنهم سينمو لديهم ذيلًا بعد الحصول على اللقاح – إنه أمر مضحك.

لكنني لا أعتقد أنه سيكون له تأثير على الناس لأنه ذو وقت محدود للغاية وبالتأكيد بعد أن يتلقى الجميع اللقاح سيعود الناس إلى حياتهم الطبيعية التي عاشوها من قبل.

إنه أمر جيد بالنسبة للفنانين لأنه يتعين عليك البقاء في المنزل ولديك الكثير من الوقت للعمل وليس لديك مواعيد أو أي شيء آخر. انه يمنحك الوقت كفنان للتفكير والإنتاج. 

في النهاية، نود أن نسألك عما كنت تقرأه وتشاهده وتستمع إليه وتفعله مؤخرًا وكان ملهمًا أو ثاقبًا أو مريحًا ، أو كنت ترغب ببساطة في التوصية به.

أقرأ فقط عندما أخلد إلى الفراش حوالي ساعة واحدة في اليوم. قرأت خلال الأشهر الثلاثة الماضية ثلاثة كتب ، أحدها باللغة العربية عن البحث عن رسمتي المفقودة “البحث عن جمل المحامل” وهي تحكي العديد من القصص المضحكة عني وعن أصدقائي الفنانين منذ عام 1976م للفنان الفلسطيني “خالد حوراني”. الكتاب الآخر هو( A Line In The Sand) “خط على الرمال” لـ جيمس بار” ويغطي التطورات في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى حتى قيام دولة إسرائيل. والثالث هو(Sapiens) “العاقل، تاريخ موجز للبشرية” يوفال هراري”. هذا إلى جانب إلقاء العديد من المحاضرات عن طريق “زووم-Zoom “ حول الفن الفلسطيني وأصوله وتطوره. بدأت أيضًا في كتابة ذكرياتي منذ الطفولة حتى الآن. أعتقد أن هذا سيستغرق سنة واحدة على الأقل حتى ينتهي.

Kamal Ghazal تمت الترجمة بواسطة


مقالات \ لقاءات

سليمان منصور, رائد الفن الفلسطيني

Nour Team بواسطة
03/06/2021

هلا عرفتنا بنفسك من فضلك ؟

ولدت في” بير زيت” ، على بعد 10 كيلومترات شمال “رام الله”. كانت “بير زيت” قرية جميلة زُينت بأشجار الزيتون و الكثير من الطبيعة ، والعديد من الينابيع ، وبرك السباحة. الطبيعة هي كل شئ هناك. قضيت طفولتي في هذا الجو الذي أثر على طريقة رؤيتي للأشياء. كل الجبال، كل الأشجار، الطبيعة الخلابة التي رأيتها أصبحت جزءًا من فني

توفي والدي عندما كان عمري 4 سنوات. كنا ستة أطفال: ثلاثة أولاد وثلاث فتيات.ألحقتنا والدتي بمدرسةٍ داخليةٍ في “بيت لحم” تسمى “المدرسة اللوثرية”. مدير هذه المدرسة كان ألمانيًا وفنانًا أيضًا. كان لدينا الكثير من وقت الفراغ بعد الدروس في المدرسة. أراد المدير ملئ وقتنا بالأنشطة لذلك أنشأ العديد من النوادي مثل نادي القراءة والرسم والموسيقى والحرف اليدوية. 

كان من الإلزام التسجيل في ناديين لذا اخترت الموسيقى والرسم لكن لم أنجح البتة في فصل الموسيقى ( ضحكات خافتة )، لذلك قررت التركيز على الرسم. كان عمري تقريبا اثنى عشر عامًا في ذلك الوقت. 

هل ألهمك هذا الفصل والمعلم لبدء الرسم؟

لا ، كنت أرسم حتى قبل ذلك  الوقت. أتذكر الذهاب إلى المنزل ورسم الأشياء على قطع صغيرة من الورق و لكن في ذلك الوقت لم أعرف حقًا ما كنت أفعله أو أي الألوان يجدر بي أن أستخدم. هذا المعلم وهبني كل ما أحتاجه وعلمني كيف وماذا أفعل.

كنا من سبع إلى ثمان طلاب في هذا النادي وجعلنا نعمل معًا على لوحة واحدة. عملنا على لوحات كبيرة لعدة ساعات. وبالتالي هذه التجربة علمتني التعاون مع الناس بشكل عام ومع فنانين آخرين على وجه الخصوص، كما هو الحال في الفريق.  

ثقافة العمل الجماعي  كفريق هذه شيء مفقود في الشرق الأوسط لذلك تعلمت كيفية التعاون عن طريق هذا المعلم بالاضافة الى أمور أخرى. وقد ساعدني هذا لاحقًا في العمل مع فنانين آخرين لإنشاء “رابطة الفنانين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة “ وتنظيم أنشطتها. لقد قدم إلينا العديد من الكتب الفنية عن الفن الألماني بشكل رئيسي والفن الحديث بشكل عام. كان لدي حرية وصول إلى المعرفة التي لن أتمكن من اكتسابها في فلسطين في ذلك الوقت.

هل سبق لك أن تعاونت مع هؤلاء الطلاب في نادي الرسم في مرحلة أخرى من حياتك؟

لا ، لم يتخذ أي منهم طريق الفن ، كنت الوحيد الذي أستمر بهذا الطريق. أحدهم أصبح أسقف والثانِ مساعدًا للزعيم “ياسر عرفات” والآخر صحفيًا. 

كيف تصف أسلوبك لشخص لا يعرف فنك؟

حسنًا ، أعتقد أنني من نوع الفنانين الواقعيين مع عناصر رمزية لكنني لا أفكر كثيرًا في الأسلوب أو المدرسة. أنا تخطر ببالي فكرة وأختار ما يتناسب مع هذه الفكرة. بعض الفنانين يلتزمون بأسلوب معين وفي رأيي يصبحون أسرى. على كل حال ، أنا حر.

للعودة إلى هذا المعلم ، كان يصطحبنا أحيانًا للسفر. كنا نذهب للتخييم في “أريحا” و”نابلس” وأماكن أخرى ، وننام في الخيام وفي الطبيعة والذي أثر كثيرًا في حبي للأرض و لوطني. وسّع هذا تصوري عن وطني أثري مداركي بأماكن كثيرة. قبل هذه الرحلات ، كنت أعتقد أن “فلسطين” هي “بير زيت” و “بيت لحم” فقط. 

يمكننا حقًا رؤية  المناظر الطبيعية وأشجار الزيتون والبرتقال في فنك بشكل دائم. لقد اتخذت مسارًا سياسيًا بفنك جنبًا إلى جنب مع رابطة الفنانين الفلسطينيين. قلت في مقابلة إن هذا ليس بسبب رغبتك بأن تكون فنانًا سياسيًا. هل يمكنك تفسير ذلك؟

لا أعتقد أن هدفي كان مساعدة الأمة. أنا فنان ، أحب الرسم ، أعيش في هذه الأجواء ، وأحاول أن أعكس حياتي من خلال فني. أدخل نقطة تفتيش وأحيانًا يتم استجوابي وأشياء من هذا القبيل عندما أذهب إلى “رام الله”.  بعد تلك التجربة، لا يسعني إلا التفكير في ذلك عندما أصل إلى الاستوديو الخاص بي  …وهذا يظهر في فني. إنه أمر طبيعي  ، لا يمكنك العيش هنا وتجاهل ما يحدث تماما وتقوم فقط برسم الزهور الجميلة والسيدات اللطيفة ..إلخ.  حتى في 1981 أغلق الحاكم العسكري “لرام الله” أحد معارضي. قام باستجوابي مع اثنين من أصدقائي وحاول إقناعنا بعدم رسم أي شيء من الحياة الواقعية التي كنا نعيشها. لقد سألني: “لماذا لا ترسم زهورًا جميلة؟ سأشتريه منك “. 

قرأت عن “مجموعة الرؤى الجديدة” التي كنت جزءًا منها. في مرحلة ما ، لقد ابتعدت عما تعتقد أنه سمات ورموز ووسائط كلاسيكية مفرطة الاستخدام. لقد بدأت بتجربة طرق جديدة لصناعة الفن. ماذا كانت هذه الجوانب بالنسبة لك؟

في البداية، انا اخترت أن أقوم بفنّي بالطين والوحل. كان من بين المطالب الرئيسية للانتفاضة الأولى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية لذلك بدأ بعض الفنانين في البحث عن مواد طبيعية لعمل فنهم ، فاخترت الطين والقش. اعتاد الناس في القرية على بناء الأشياء من هذه المادة  لذلك بدأت في استخدامها في عملي الفني. هذا غير من فني في جوانب عديدة. أولاً، لم يكن للطين ألوان كثيرة ، فقط درجات الأصفر أو الأبيض أو درجات البني الفاتح – لذا فأنت مقيد للغاية في الألوان، والذي عادة يكون أمر جوهري لممارستي. الشيء الآخر هو أنك لا تستطيع عمل أشياء صغيرة مفصلة مثل العين أو الشعر وما إلى ذلك.

لذلك تطور فنّي إلى تجريدي أو شبه تجريدي. 

واجهتي مشكلة وهي أنه عندما يجف الطين يتشقق ، كانت هذه مشكلة كبيرة بالنسبة لي في البداية لذلك بدأت في ملء الشقوق وعملت بجد لجعلها تختفي لكن بعد ذلك بدأت أدركت جمال الشقوق ورمزيتها. كما تعلم ، لقد أصبحنا مقسمين إلى قطع صغيرة في حالتنا مع نقاط التفتيش والجغرافيا الفلسطينية. بالتالي بدأت العمل على هذه التشققات حتى أصبحت جوهر أعمالي الفنية … لا أحب أن أسميها لوحات.

اعتدنا الرسم على اللوحات القماشية ، إطار له زوايا ، لذا فإن العمل على الطين غير شكل الأشياء. لا مزيد من المربعات. بدأت في وضع الأشياء التي تم العثور عليها في الطين ، أشياء مثل قطع الفخار القديمة والعلب والمفاتيح.

حتى ذلك الحين ، كان الفن الفلسطيني تقليديًا جدًا ، مثل اللوحات القماشية والألوان التقليدية واللوحات الزيتية ومع ذلك فقد جربته من قبل  مثل الرسم الخاص بي باستخدام “تمبيرا البيض” على الخشب لكن لم تكن مثل هذه المرة حيث تغير كل شيء: المواد والشكل والأسلوب.

جميع أصدقائي من مجموعة الرؤية الجديدة تغيروا وجربوا وخلقوا شيئًا جديدًا. من خلال هذا المنطق ، أصبحت مجموعتنا حلقة الوصل بين “الفن الجديد” الذي بدأ بعد اتفاقية أوسلو و”الفن القديم” الذي اعتدنا فعله أنا والفنانين الآخرين.

أعتقد أننا ساعدنا في تغيير المشهد الفني في فلسطين. 

كيف يتفاعل الناس مع عملك حينما تقيم معارضك؟

لا أستطيع الشرح حقًا ، هذا طبيعي كما تعلم. هما يأتون وينظرون ويسألون أسئلة مثل السؤال الذي طرحته علي الآن حول الحفاظ على الوحل [خارج التسجيل]. بالإضافة إلى ذلك، الكثير من الأشخاص يسألون “هل هذا للبيع؟” ، مما يدل بوضوح على تقديرهم.

في المعرض الأول الذي قمنا به في عام 1975م ، تعلمنا الكثير من الحضور – العديد من الأشخاص الذين حضروا لم يشاهدو أبدًا معرضًا فنيًا ولا لوحة. لذلك سادت الأجواء السياسية والقومية على الفور عندما جاؤوا. مئات الأشخاص أصطفوا  لساعات عديدة و ناقشوا معنا نوع الفن الذي يجب أن ننفذه. لم نأخذهم حقًا على محمل الجد بصفتنا فنانين لكنه أثر علينا في إعادة التفكير فيما يجب أن نفعله وفي أدوارنا كفنانين. 

هل يمكنك أن تعطينا مثالا؟

طلب الناس رؤية القدس والاحتلال والأسرى والقتل والأطفال. لقد كانوا يتوسلون إلينا حقًا أن نضع هذا في فننا والذي أنا متأكد أنه أثر علينا بطريقة ما. ومع ذلك ، أتذكر نوع الجو في ذلك الوقت: مفعم بالحيوية والحماسة. 

ما هو شعورك حيال إعادة نظرالأشخاص لعملك وإعطاء سياق جديد له؟

أنا أحب ذلك. هذا يجعلهم يفكرون في ماهيته ولماذا نختار شيئًا ما. في بعض الأحيان يجعلهم يبحثون عما كان يحدث وما هي التجارب وراء هذا العمل الفني وهذا جيد. لقد قمنا بالعديد من المعارض في أوروبا والولايات المتحدة في السبعينيات والثمانينيات. تجد أشخاصًا تدعمك و اّخرون يهاجموك فور إقامة معرض في فرنسا أو إيطاليا أو في أي مكان آخر. كانوا يرون إعلانًا في إحدى الصحف وفجأة سيكون لديك أعداء وأصدقاء حتى قبل افتتاح المعرض. سيضعك معظم الناس في إطار سياسي.

باختصار، أحب أن أعرض فنّي للشباب وفي كل مكان. لقد أنشأت مؤخرًا صفحة على إنستغرام حيث أجمع العديد من الأصدقاء الذين ليسوا دائمًا من العرب ولا يفهمون الفن لذلك ينخرطون في محادثة معي ويسألونني أسئلة , وهو الأمر الذي أحبه. 

ماذا قال الناس مؤخرًا عن فنك على وسائل التواصل الاجتماعي؟

حسنًا ، تلقيت بالأمس رسالة من فتاة مصرية (30 عامًا) قالت: “أحبك رغم أنني لا أعرفك” – هذا المفهوم غريب. 

ما هو عملك الفني المفضل؟

يُطرح علي هذا السؤال كثيرًا ومن الصعب جدًا الإجابة عليه. إنهم يتوقعون أن يكون جوابي هو الرجل الذي يحمل القدس (المعروفة باسم جمل الأعباء الثقيلة ، 1975) لأنها أصبحت مشهورة جدًا لكنها ليست كذلك. عندما أفكر في رسم شيء ما مثل الألوان المائية الصغيرة  والمناظر الطبيعية والقرى أو أي شيء آخر فإنها تأتي بشكل طبيعي لكن لا يمكنني القول إنني أحب واحدًا أكثر من الآخر. 

إذا كان بإمكانك التعاون مع فنان آخر ، فمن سيكون؟

(الرسم معا)

ربما “بانكسي” لأنني أشعر أنني قريب منه دون أن أعرفه. دائما مايخبرني صديق مشترك أن “بانكسي” يرسل تحياته.

هو يستخدم السمات ويملأها بالمعنى السياسي – أنا أحب ذلك. أفعل ذلك أحيانًا أيضًا حتى قبل أن أعرفه. 

ما رأيك بالمشهد الفني الحالي في فلسطين؟

الفلسطينيون يتأثرون بشدة بالفن المعاصر في جميع أنحاء العالم حيث تقوم المدارس والأكاديميون بتدريس الفن المعاصر.

اليوم ، يستخدمون أنواعًا مختلفة من الفن ، مثل التصوير الفوتوغرافي وفن تركيبات الفيديو وما إلى ذلك ، وهو أمر جيد لاستخدام جميع المواد والمعدات المتاحة لديك في الوقت الحاضر. البعض منهم جيد حقًا وحتى أنهم حصلوا على منح دراسية لمواصلة دراستهم في أوروبا والولايات المتحدة والعودة بأفكار رائعة.

على كل حال، لدينا مشكلتان أو خطران. الأول هو فنان لم يدرس الفن حقًا ولا يعرف ما يفعله ، أو ليس على دراية بكيفية استخدام هذه التقنيات والمعدات ولكنه لا يزال يريد الوصول إلى أفضل المعارض الفنية في أوروبا. الفنانون الشباب دائمًا طموحون ويريدون تحقيق النجاح بسرعة كبيرة. يعتقد الكثير منهم أنهم إذا ابتكروا الفن كما يفعلون في فرنسا وألمانيا فقد ينجحون بشكل أسرع. هذا الخطر حقيقي للغاية لأنك لست صادقًا مع نفسك من خلال تقليد فن آخر تم إنتاجه في ثقافة أخرى بنوع مختلف من التاريخ واللغة والدين والطعام. هذا غريب. هناك أشخاص يبدأون بهذه الطريقة ويفقدون الكثير من الوقت لكنهم في النهاية يعودون ويفعلون ما ينبغي عليهم فعله حقًا.

الخطر الآخر هو أنك كفنان لست قريبًا من الناس الذين لم يتعلموا الفن المعاصر. عندما يأتون إلى المعرض في معظم الأوقات فإنهم يخافون ولا يريدون المجيء مرة أخرى ولا يريدون أن يبدوا جاهلين لا يدركون ما الذي ينظرون إليه.

ما هي الأعمال المستقبلية التي يمكن أن نتوقعها منك؟

لا أعلم ، لدي أفكار كثيرة. أريد العمل عليها لكن المشكلة هي أنه بعد كل هذه السنوات تصبح بطريقة ما مُضجر مما تفعله. أذهب إلى الاستوديو الخاص بي أقضي معظم وقتي في صنع القهوة وأنظر إلى الخارج ولا أفعل أي شيء. (انه ليس مثل السابق عندما كانت لدي طاقة وكنت أفعل الأشياء لذلك آتمنى أن يساعدني الوقت في فعل كل ما أفكر فيه. إنه أيضًا نوع من التعب الجسدي وربما الملل. إنه العمر).

كيف تعاملت مع كوفيد؟ لأننا جميعًا نتعامل معه بطريقة مختلفة في مراحل مختلفة من حياتنا؟

إنه شيئاً جديداً وهو موجود منذ أكثر من عام. لا أعتقد أنه أثر على طريقة تفكير الناس ولا على عاداتهم. إنه خوف لا أكثر ولا تعرف ما هو. لقد أصبت بالفيروس ولم يؤثر علي ، لم أشعر به حتى. إنه أمر غريب لأنك لا تعرف ما يحدث. ثم ظهر اللقاح وكل هذه الأفكار التي خرجت من الناس الذين يعتقدون أنهم سينمو لديهم ذيلًا بعد الحصول على اللقاح – إنه أمر مضحك.

لكنني لا أعتقد أنه سيكون له تأثير على الناس لأنه ذو وقت محدود للغاية وبالتأكيد بعد أن يتلقى الجميع اللقاح سيعود الناس إلى حياتهم الطبيعية التي عاشوها من قبل.

إنه أمر جيد بالنسبة للفنانين لأنه يتعين عليك البقاء في المنزل ولديك الكثير من الوقت للعمل وليس لديك مواعيد أو أي شيء آخر. انه يمنحك الوقت كفنان للتفكير والإنتاج. 

في النهاية، نود أن نسألك عما كنت تقرأه وتشاهده وتستمع إليه وتفعله مؤخرًا وكان ملهمًا أو ثاقبًا أو مريحًا ، أو كنت ترغب ببساطة في التوصية به.

أقرأ فقط عندما أخلد إلى الفراش حوالي ساعة واحدة في اليوم. قرأت خلال الأشهر الثلاثة الماضية ثلاثة كتب ، أحدها باللغة العربية عن البحث عن رسمتي المفقودة “البحث عن جمل المحامل” وهي تحكي العديد من القصص المضحكة عني وعن أصدقائي الفنانين منذ عام 1976م للفنان الفلسطيني “خالد حوراني”. الكتاب الآخر هو( A Line In The Sand) “خط على الرمال” لـ جيمس بار” ويغطي التطورات في الشرق الأوسط خلال الحرب العالمية الأولى حتى قيام دولة إسرائيل. والثالث هو(Sapiens) “العاقل، تاريخ موجز للبشرية” يوفال هراري”. هذا إلى جانب إلقاء العديد من المحاضرات عن طريق “زووم-Zoom “ حول الفن الفلسطيني وأصوله وتطوره. بدأت أيضًا في كتابة ذكرياتي منذ الطفولة حتى الآن. أعتقد أن هذا سيستغرق سنة واحدة على الأقل حتى ينتهي.

Kamal Ghazal تمت الترجمة بواسطة

Sliman Mansour and Nabil Anani 1976 exhibition in London

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *